حسن بن عبد الله السيرافي
358
شرح كتاب سيبويه
قال أبو سعيد يعني : أن فعل التعجب لا يكون إلا فعلا ، أصله قبل التعجب فعل ، كقولك : " ما أضرب زيدا ، و " أشتم عمرا للناس " ، وأصله ، ضرب وشتم ، و " ما أعلم زيدا ، وأسمعه " ، وأصله : علم وسمع . و " ما أظرف زيدا " ، وأصله : ظرف ، و " ما أعطى زيدا " ، وأصله : أعطى . وإنما كان الفعل التعجب مما أصله هذه الأفعال لأنها تحتمل زيادة الهمزة نحو : خرج وأخرجه غيره ، وسمع وأسمعه غيره ، فلا تصح زيادة هذه الهمزة إلا في أول الأفعال الثلاثية . وأما قولك : " ما أعطى زيدا " ، وأصله أعطى ، فإن الهمزة التي في " أعطى " قبل التعجب زائدة ؛ لأنه من " عطا يعطو " إذا تناول ، فحذفوا هذه الهمزة الزائدة فصار " عطا " ، ثم زادوا الهمزة التي للتعجب . وأما سائر الأفعال فلا تحتمل صيغتها زيادة الهمزة في أولها نحو : انطلق ، واستغفر ، واحمر ، وقاتل ، وما أشبه ذلك . قال سيبويه : ( هذا ؛ لأنهم لم يريدوا أن يتصرف ، فجعلوا له مثالا واحدا يجري عليه ) . يعني : لما لم يتصرف فعل التعجب ، جعلوا له مثالا واحدا يجري عليه ، وإن كان قد يستعمل في باب النقل غيره ، ألا ترى أنك تقول : " عرف زيد عمرا وعرفته " ، و " علم كذا " ، " وأعلمته إياه " . فالنقل قد يكون بتشديد العين . كما يكون بزيادة الهمزة في أوله ، فاختاروا زيادة الهمزة في باب التعجب ؛ لأنها أكثر في النقل . قال سيبويه : ( فشبه هذا بما ليس من الفعل ، نحو " لات " و " ما " ، وإن كان من " حسن " و " كرم " و " أعطى " ) . قال أبو سعيد : يعني أن فعل التعجب وإن كان مشتقا من أفعال متصرفة ، فهو غير متصرف بمنزلة " لات " و " ما " في قلة تصرفها ، وقد بينا ذلك . ونظير ذلك قول العرب للصقر " هذا أجدل " مصروف بمنزلة قولهم " هذا أفكل " والأجدل مأخوذ من الجدل وهو الشدة والفتل ، فصرفوه ولم يجعلوه بمنزلة " أحمر " ؛ لأنه وإن كان مشتقا من الجدل ، فقد صار اسما للصقر ولا يقال لغيره إذا كان شديدا أجدل .